الخدمات الطبية بين الألم والأمل

بتصنيف وطن بواسطة سنمار بتاريخ 30 مايو, 2007مجموع التعليقات 12

أثناء حمل زوجتي ببكرها إقترحت الطبيبة أن يتم إعطاء زوجتي دورة في الحمل والمخاض والولادة لان هذا حملها الاول, فقلت شكرا على اهتمامكم ولا حاجة لذلك, وفي لقاء آخر مع الطبيبة كررت اقتراحها فتعذرت بانشغالي وعدم وجود وقت لدي لايصالها, فقالت ليس هنالك مشكلة فستأتي القابلة الى منزلكم ولن تحتاج لاحضار زوجتك الى المستشفى. فتعذرت بقولي: زوجتي لا تتحدث الانجليزية وليس لدي الوقت لحضور تلك الدروس والترجمة فاجابت, سنحضر مترجما,  فقلت بل مترجمة, فقالت كما تشاء. وفعلا كانت تأتي القابلة بشكل منتظم الى منزلنا ومعها المترجمة وتعلم زوجتي ما تجهله في هذا الشأن. لم أحضر أيا من تلك الدروس ولكن زوجتي أخبرتني بانها كانت مفيدة جدا فقد كانت القابلة تأتي معها بدُمى (جمع دُمية) للجنين والمشيمة وتشرح عليها. تقول زوجتي سألت المترجمة (وهي من الشام) هل تعملين في قطاع الصحة هنا فقالت لا وانما اعمل في مكتب ترجمة وأحيانا نتعامل مع المراكز الصحية الحكومية هنا, فيدفعوا لنا أجرنا بالساعة.

بعد الولادة وأثناء اقامة زوجتي في المستشفى لمسنا عناية كبيرة جدا, ففضلا عن الخدمات الصحية والتي يطول الحديث عنها, كانت المساحة التي يشغلها المريض الواحد تعادل المساحة التي يشغلها مريضين أو ثلاثة في مستشفياتنا, لكل مريض رقم تلفون مباشر دون تحويلة, لكل مريض شاشة مسطحة متحركة  مع لوحة مفاتيح, يمكن من خلالها مشاهدة التلفاز او تصفح الانترنت. اما الوجبات فقد اخبرتهم بان زوجتي لا تحب الاكل الغربي لذا سأتولى امر غذائها بنفسي, فقالوا سنطلب لها ما تريد من مطاعم خارجية فنحن نتعامل مع مطاعم شرقية خارجية توفر الاكل الحلال. وفعلا قدموا لنا قائمة بالاكلات الشرقية الحلال. ولولا ان صديقاتها أصررن على أن يتناوبن على إحضار الاكل السعودي لها  لتم احضار اكلها من المطاعم الشرقية عن طريق المستشفى مجانا.

بعد الولادة كانت تأتي القابلة الى منزلنا بشكل يومي تقريبا ولمدة عشرة أيام, ومهمتها الإطمئنان على زوجتي وعلى الوليد, بعد ذلك تأتي مهمة الزائرة الصحية وعلى نفس الحال تأتي بشكل منتظم لمنزلنا تفحص الوليد وتقدم النصائح والارشادات وتجيب عن كل التساؤلات.

أثناء الحمل الثاني كان هنالك نية للرجوع الى الوطن لقضاء الاجازة السنوية, ولكن خوفنا من الاهمال في المستشفيات العامة ولاصرار المستشفيات الخاصة الى تحويل الكثير من الولادات من طبيعية الى قيصرية (لانها أغلى) بقينا هنا والحمد لله كانت الخدمات كثيرة والجودة عالية وكل هذا مجانا وكلتى الولادتين كانتا طبيعية ولا أدري ماذا سيكون الحال لو كنا في السعودية فاخبار الولادات القيصرية هناك كثيرة.

احتاج ابني لاجراء عملية بسيطة, وقبل العملية كانت معه ممرضة ليس لها هم سوى ان يكون الطفل سعيدا, اخذتنا الى احدى الصالات في المستشفى المليئة بالالعاب, واخذت تلعبه وتنقله من لعبة الى اُخرى, كان ولدي في قمة اُنسه وكأنه في دزني لاند. كانت الممرضه تطلب منا ان نكون قريبين منه حتى لا يشعر بالوحشة. بعد ذلك طلبوا منا ان ندخل معه غرفة التخدير. فدخلنا الغرفة وكانت تلك الممرضه تحمل معها احدى الالعاب الالكترونية وبينما كنا نقوم بمداعبته تم تخديره دون ان يشعر. وعدم شعوره بابرة التخدير كان بسبب وضع مرهم على يده قبل العملية بساعة ونصف. بعد العملية, أحضروا لنا ادويته (لم يطلبوا منا التوجه الى الصيدلية لاخذها), واخبرونا بان احدى الممرضات ستزورونا غدا في البيت للاطمئنان عليه. ولله الحمد لم يكن للعملية أي اثر سلبي على الطفل. جاءت الممرضة واطمأنت عليه, وجاءت ممرضه اخرى ىعد ذلك بثلاثة ايام وكشفت عليه وكان وضعه حسن.

الذي لم اتحدث عنه هو تهربنا من الكثير من المواعيد, سوءاً لزوجتي او لاطفالي, ومع ذلك فكانوا يمطروننا بالاتصالات لعمل تلك المواعيد, كانوا حريصين على صحتنا وصحة اطفالنا أكثر منا.  ما حدث وان تغيبت عن مراجعة الا واتصلوا بي, وان لم أرد تركوا رسالة صوتية يشيرون فيها الى موعد آخر, وان تجاهلتها كرروا الاتصال اكثر من مرة. الشاهد انهم لا يمكن ان يتركونا حتى يقوموا باللازم, وفوق هذا, اذا قابلتهم بعد تهربي من موعد, لا يذكرون شيئا عن اتصالهم وعدم ردي او عن تغيبنا عن ذلك الموعد, وعندما اقوم انا بفتح الموضوع والاعتذار عن ذلك, فلا اجد منهم غير ابتسامة تتبعها ليس هنالك مشكلة :) . قبل أيام كان عندي مراجعة لطفلتي فنسيته ولم احضره فاتصلت بي الممرضه في وقت الموعد وسألتني عن حالي وحال زوجتي وأبنائي وبعد ذللك اخبرتني بان لدينا موعد الآن وقالت يبدو انكم لا تستطيعون أن تأتوا لذا ما رأيك في التنسيق لموعد آخر, فقلت كما تشائين, فقالت ان شئت الاسبوع القادم وان شئت اليوم, فقلت اليوم, فقالت اي وقت يناسبك؟ فقلت اي وقت تشائين, فقالت ماذا عن الآن, هل استطيع أن ءأتي الى منزلكم بدلا من أن تأتوا الى المركز؟ فقلت مرحبا بك, مرت خمس دقائق واذا هي تطرق الباب.

حقيقة بحثت عن الاسباب التي تحفزهم  لفعل ما هو أكبر من واجبهم فما وجدت الا أمراً واحدا وهو انهم فعلاً يحصلون على مقابل مادي يتلاءم مع مجهودهم أي ان مرتباتهم عالية وفي نفس الوقت العقاب على التقصير شديد, فربما لو اهمل الأب طفله وما احضره للمراجعة فان هذا لا يعفي المسؤول الطبي من تحمل المسؤولية ان حدث مكروه.

خلاصة الحديث اننا نحصل على أفضل الخدمات الطبية هنا ومجانا ونحن أجانب, ولا فرق بيننا وبين اي مواطن في تلك الخدمات. اما في اوطاننا فنحصل على أسوء الخدمات من المستوصفات الخاصة وبالفلوس ونحن مواطنين فضلا عن الاجانب في بلدنا كان الله في عونهم. اما مستشفياتنا الحكومية فقد هجرتها كما هجرها  الكثير من اصحاب الدخل المحدود فضلا عن متوسطي االدخل, فالخدمات فيها سيئة. استثني من ذلك بعض المستشفيات مثل التخصصي والعسكري والتي تقدم خدمات بجودة عالية ولكنها ليست للشعب من امثالي, فهي مقصورة على فئة محددة من المجتمع.

لو تعذرأحد بجهلنا وتخلفنا, لأجبناه: ها هو مستشفى الملك فيصل التخصصي يوازي في جودة خدماته المستشفيات العالمية فما بالنا استطعنا ان ننشأ مستشفى بهذه الجودة لفئة مخصوصة من الناس وما استطعنا ان ننشأ مستشفى واحد فقط بنفس المستوى للشعب؟ القدرة تأتي ولكن بعد الإرادة. ومن وجهة نظري المتواضعة, يمكن الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية الى درجة مقبولة دون الحاجة الى زيادة ميزانيتها في مستشفياتنا الحكومية, فلو كان هنالك رقابة ومتابعة وعقاب لارتقينا كثيرا. ولا أنسى أبداً اني حين كنت اتردد على احد المستشفيات الحكومية وقد كنت صغيرا, كان الطبيب يعطيني الوصفة دون أن يكشف علي, وكان عبوس الوجه, وكأنه سيد يتعامل مع عبده. لذا فتجنب المستشفيات الحكومية عندنا قد يكون للبعد عن المشاكل والملاسنة مع بعض من  الاطباء والذين اصابتهم غطرسة, ولا غرابة فقد أمنوا العقاب.

عن الكاتب

التعليقات لـ “الخدمات الطبية بين الألم والأمل”

أضف رد