ما وراء الإنتاجية في الكتابة العلمية

بتصنيف إدارة, البحث العلمي بواسطة سنمار بتاريخ 1 ديسمبر, 2008مجموع التعليقات 11

writingمن يواجه مشكله تنطع في كتابة ورقة علمية أو كتاب, من يطول عليه الوقت في التفكير في “من أين أبدأ؟”  أو ربما تعقدت معه الأمور ولديه بطء في الكتابة  فعليه بأداة Write or Die التي ربما تضمن حل مشكلته.

جربت هذه الأداة  فوجدتها فعالة وأخالها تمكن من انتاج 3000 كلمة في ساعاتين وبيسر. هذا على إفتراض ان الكاتب لديه علم عم يريد كتابته.

كان لدي قراءة متواضعة وربما خاطئة لمنهجية الكتابة عند اولئك الذين انتجوا ما يستحيل تصوره كماً, وبعد أن جربت هذه الأداة  إزداد ايماني بما كنت اظن. فلو تأملنا في مؤلفات الذين انتجوا عدد كبير من الاوراق العلمية او الكتب (بعضهم فاق المئة كتاب) من المعاصرين او السابقين, لربما وجدنا انه يستحيل انتاج كل هذا الكم في عمر الانسان المحدود. وهذا عقلاً قد يعني أن اولئك المؤلفين لهم طريقة مختلفة تماما عن طريقتنا والا لما تمكنوا من اصدار كل هذا الكم من المؤلفات. فالعلم الجم وحده لا يكفي لانتاج كل هذه المؤلفات. فهناك الكثير ممن لديهم العلم الوافر وهم بالكاد ينتجون.

من هذا المنطلق بدى لي ان المكثرين في انتاجهم العلمي لا يدققون حين يكتبون في بادئ الأمر, وانما يحددون الموضوع ثم ينهمرون في كتابة ما جاء في الخاطر دون ترتيب, وبعد انتهاء الكتابة, يكون الوقت مناسبا لمراجعة المكتوب والإرتقاء بجودته باعادة ترتيبه وتنقيحه وتصحيح الجمل المعلولة وإضافة او حذف ما يلزم. لماذا؟ لان الذي لم يكتب شيئا ويريد أن يبدأ كتابته بجودة عالية, سيطول به الأمر حتى يكتب أول جملة وربما اوقفته مسائل تفصيلية عن الكتابة لوقت ما وقد يكتب ويمسح كثيرا وسيستمر الموال حتى انتهائه من الكتابة.  بينما الذي انساب في كتابته دون تدقيق, سيكتب أفكاره بشكل غير مرتب, لكن مع نهاية كتابته حتما ستأتيه أفكار التعديل والتحسين على طبق من ذهب (اقول هي ستأتيه ولن يحتاج أن يعصف ذهنه حتى يجدها). ايضا عند الانتهاء من كتابة النص الغير مدقق, يكون الارتقاء بالجودة استراتيجي فالكاتب في هذه الحالة يقف في مكان يسمح له بالنظر الى جميع النقاط وبالتالي التحسين سيكون اعمق وامتع وأيسر وفي وقت أقصر, باختصار سيتفنن في تهذيب المكتوب بجهد ووقت اقل بكثير مما كان سيصرفه لو كتب بتدقيق من البداية.

إن شئت أن تستخدم الأداة أعلاه فلا تفكر أثناء الكتابة في تصحيح (1) الأخطاء الإملائية (2), وأخطاء التسلسل المنطقي, (3) وأخطاء التراكيب اللغوية. إبدأ بالجملة التي تأتي على البال ثم انتشر ولا تلتفت لاي امر يثنيك عن الاستمرار, انسى الجودة وأكتب ما جاء في الخاطر حول الموضوع, واذا انتهيت تماماً من الكتابة الغير مركزة وربما المشتتة, سيكون التعديل أسهل بكثير من التدقيق اثناء الكتابة الأولية. وهناك طريقة اخرى معلومة ربما لدى الكثير وهي البدأ بالعصف الذهني ومحاولة تحديد النقاط التي يفترض ان يتم الكتابة عنها ثم ترتيبها وبعد ذلك البدأ في كتابتها نقطة نقطة, لكني ارى ان الطريقة الأولى اكثر فعالية. لان الكتابة المباشرة ستقود الى نقاط اكثر (هكذا بدى لي).

قد لا تَستخدم أداة Write or Die إلا مرة واحدة (وهذا هو المطلوب) لكنها ستعطيك درساً إن حفظته وشغلت حياتك بالقراءة ربما (اسمحلي اُحلق بك) سيتذكرك الناس حين يذكرون إبن الجوزي (أكثر من 340 مصنّف) وابن عقيل (عشرين كتابا – كتاب الفنون وحده يحتوي 400 مجلد)  والطبري (تاريخه 3000 ورقة, وتفسيره 3000 ورقة, وقد حسب بعض تلاميذه عدد أيامه منذ بلغ الحلم حتى توفي وعمره 86 سنة  ثم قسموا عدد الاوراق التي كتبها في حياته (358000 ورقة) على ايام انتاجه, فوجدوا ان متوسط ما كان يكتبه في اليوم الواحد  14 ورقة… يا للهول!) والشوكاني (519 كتاباً بعض كتبه الواحد منها عشر مجلدات … يا الهي , للشوكاني 13 درس يوميا, هو من قال ذلك) وابن تيمية (اكثر من 500 مجلد … يا الله, ليس في يومه فراغ, كل هذا في جزء من الليل فقط؟).

ربما يكون في الارقام السابقة مبالغات, وربما بعض الكتب أو التصانيف لا يتجاوز أحدها بضع صفحات, وربما المكتوب في الورقة الواحدة في زمانهم يعادل في كمه ما يكتب في ربع صفحة في برنامج الوورد بخط 12 بكسل, وربما وربما,  لكن كل هذا لا يلغي ابدا ان هناك الكثير ممن استطاعوا انتاج عدد غير معقول (ان كانوا يكتبون بتدقيق من البداية) من المؤلفات. من الشواهد على هذا المفهوم ان الكثير من الكتب القديمة مكتوبة بطريقة غير منظمة وفيها تشتت كبير, ولعل الناظر الى بعض الكتب القديمة ككتب ابن تيمية يجد ذلك جليا ويدرك ان الرجل ما كان يهتم بالترتيب, ولعله رأى ان تدوين اكبر كم مما يعلم ولو بطريقة غير منظمة خير من الإقتصار على تدوين جزء منه بشكل مرتب, فعمره محدود وعلمه غزير وكان لابد من الاختيار.

المعلومات الاحصائية حول مؤلفات العلماء مأخوذة من الجزء الثاني (نماذج واقعية) من سلسلة الوقت في حياة المسلم للدكتور طارق السويدان.

عن الكاتب

التعليقات لـ “ما وراء الإنتاجية في الكتابة العلمية”

أضف رد