تخلف الشعب دليل على تخلف النظام

بتصنيف وطن بواسطة سنمار بتاريخ 30 ديسمبر, 2007مجموع التعليقات 11

وأكبر شاهد على العنوان هو إنتظام المتخلف حين ينتقل إلى نظام متحضر. رددتها كثيرا وعارضني اكثر من سمعني ولعلك أحدهم. في جميع رحلاتي إلى دول الأنظمة المتطورة أجدني مختلف السلوك, احاول قدر المستطاع ألا ارتكب مخالفة وإن كانت صغيرة ومع حرصي فلا استطيع فعل ذلك في بلدي ليس لإني لا اريد بل لكي أعيش. وحتى لا يقال شذوذ أو إزدواجية في التصرف غير مبررة, أقول إن ابناء جلدتنا يفعلون نفس الشيء. وأنا أجزم بذلك يقيناً, فلم يخبرني أحد وانما مررت بالمئات من الحالات الغالبية العظمى منهم على هذا المنوال.  والمستثنين منهم لا يكادون يذكرون, وارتكابهم للمخالفات محدود جدا,  هم في نظري مجبرون على ذلك إبتداءً. في بداية إغترابي  ارتكبت مخالفتين مروريتين, التغيير يحتاج الى وقت, فثقافة الممارسة الخاطئة في دمي والابتعاد عنها هو من  التطبع والتكلف. واحدة من المخالفات كانت وقوف دون دفع الرسوم, اظن لم يمر على وقوفي 5 دقائق حتى جاء من يضع المخالفة على زجاج السيارة, والمخالفة الثانية كانت اعتباطية, فلم أجد موقفا خالياً للسيارة قريب من المحل الذي ابتغيه إلا موقف معاق, فقلت في نفسي, ومن سيدقق, وربما ظنوني معاقاً, فجاء من يدقق. بعدها ارتكبت مخالفتين اخريتين وكانتا سرعة ولقيت العقاب, وكان يجب أن أنتظم كلياً وإلا حرمت من القيادة.  لذلك أيقنت أني حين أخالف سأُعاقب, ومضيت بضع سنين بعد ذلك لا اتعمد المخالفة فلم احصل على مخالفة. وكانت في بداية الأمر تكلفا ثم أصبح الانتظام عادة. وقس ما قلته على بقية الامور.

نعلم من تاريخ الأندلس إلى أي درجة من الهمجية وصل إليها الأوروبين. بل قريبا من عصرنا كانت المملكة المتحدة تكتض بالمجرمين والهمج حتى اصبحت قضية مؤرقة بل اصبحت السجون لاتستوعب المجرمين, لكن البريطانيين بذكائهم ارسلوا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر عشرات الآلاف من المجرمين الى استراليا (للمزيد) وبذلك استطاعوا استعمار استراليا التي لم تكن تعرف البيض ولا اللغة الانجليزية من قبل. ومن الطرائف في هذا الصدد ما يقال في أن البريطاني اذا تشاكل مع استرالي  فانه  ينسبه بابن المجرمين. وما تعلمونه من قصص رعاة البقر في امريكا ليس من خيال السينما وانما محاكاة لواقع, فقد كانت من الاخبار اليومية  ان يدخل رعاة البقر الى مصرف او مطعم او اي محل آخر ويقوموا بتهديد العاميلن فيه بالسلاح ثم يأخذوا المال الموجود كاملا ويهربون او ربما دخلوا مصرفا وقتلوا جميع العاملين فيه. واستمر هذا الأمر حتى اصدرت قوانين حازمة على الورق تم تطبيقها واقعا, فتم تأديب المجرمين وملاحقتهم وسجنهم, وسمعت الدكتور أحمد الربعي منذ سنة تقريبا على قناة الكويت الفضائية يقول, تأدب المجرمين بالسياط في امريكا, فلما جاءت الأجيال بعدهم ورأوا آبائهم لا يخالفون النظام, تربوا على ذلك, فاصبحوا منتظمين دون الحاجة الى العصى.  الشاهد أننا ما كنا بدرجة من التخلف كما كان الغربيون. ومن كانوا بالأمس مجرمين همج, أصبحوا اليوم شعوباً متقدمة تقود العالم. وذلك بسبب النظام, فالمشكلة لم تكن في الشعوب بل كانت في النظم.

التوعية مهمة, لكن يسبقها تطبيق القوانين على أرض الواقع, وفي الغالب لن تجد مخالفا للقوانين لا يعلم ان الذي يرتكبه غير صحيح. اكثر ما يقع من المخالفات يعلم مرتكبيها انها خطأ قبل أن يرتكبوها,  وما دفعهم إلى ذلك هو غياب التطبيق للقوانين. الإمارات دليل واضح على أن المشكلة لا تتعلق بالشعب أو التوعية. فالشعب الاماراتي لا يختلف كثيرا عن الكويتي واليمني والاردني. قبل سنتين تقريبا, تم نشر بيان يقضي بمنع التدخين في اسكتلندا في المناطق العامة المغطاة. وتم تحديد تاريخ تطبيق النظام والعقوبة على المدخن وقبل ذلك على الجهة التي لم تمنع المدخن وكان عقاب الجهة التي تسمح بالتدخين في المناطق العامة اضعاف عقاب المدخن. جاء ذلك اليوم فالتزم الجميع. قبل ذلك  بسنين تم اصدار قرار منع التدخين في الدوائر الحكومية في السعودية, ولا زال على الورق. لذلك نقول للجهات التشريية في بلداننا العربية  لا حاجة لإصدار المزيد من القوانين إن كانت ستتضل على الورق.  انا هنا لا القي باللوم على القادة بقدر ما القي باللوم على الموسسات التنظيمية, ففي مثال التدخين مثلا, لو أن مدير صالة المطار مثلا تبنى القرار, لتم تطبيقه, بمعنى أني لن أستطيع التدخين في مطار القاهرة لو كنت اعلم بأن هناك من سيوقفونني ويعاقبني  إذا ما دخنت.  نعم هناك من يلتزم بالنظام وان لم يكن هناك عقاب, وهم الاغلبية, ولكن يجب الا تعطى الفرصة للمخالفة, والا يجبر من يريد التزام بالمخالفة لانه ان لم يخالف فلن يحصل على حقه باتباع النظام.

عن الكاتب

التعليقات لـ “تخلف الشعب دليل على تخلف النظام”

أضف رد