تخلف الشعب دليل على تخلف النظام

وأكبر شاهد على العنوان هو إنتظام المتخلف حين ينتقل إلى نظام متحضر. رددتها كثيرا وعارضني اكثر من سمعني ولعلك أحدهم. في جميع رحلاتي إلى دول الأنظمة المتطورة أجدني مختلف السلوك, احاول قدر المستطاع ألا ارتكب مخالفة وإن كانت صغيرة ومع حرصي فلا استطيع فعل ذلك في بلدي ليس لإني لا اريد بل لكي أعيش. وحتى لا يقال شذوذ أو إزدواجية في التصرف غير مبررة, أقول إن ابناء جلدتنا يفعلون نفس الشيء. وأنا أجزم بذلك يقيناً, فلم يخبرني أحد وانما مررت بالمئات من الحالات الغالبية العظمى منهم على هذا المنوال.  والمستثنين منهم لا يكادون يذكرون, وارتكابهم للمخالفات محدود جدا,  هم في نظري مجبرون على ذلك إبتداءً. في بداية إغترابي  ارتكبت مخالفتين مروريتين, التغيير يحتاج الى وقت, فثقافة الممارسة الخاطئة في دمي والابتعاد عنها هو من  التطبع والتكلف. واحدة من المخالفات كانت وقوف دون دفع الرسوم, اظن لم يمر على وقوفي 5 دقائق حتى جاء من يضع المخالفة على زجاج السيارة, والمخالفة الثانية كانت اعتباطية, فلم أجد موقفا خالياً للسيارة قريب من المحل الذي ابتغيه إلا موقف معاق, فقلت في نفسي, ومن سيدقق, وربما ظنوني معاقاً, فجاء من يدقق. بعدها ارتكبت مخالفتين اخريتين وكانتا سرعة ولقيت العقاب, وكان يجب أن أنتظم كلياً وإلا حرمت من القيادة.  لذلك أيقنت أني حين أخالف سأُعاقب, ومضيت بضع سنين بعد ذلك لا اتعمد المخالفة فلم احصل على مخالفة. وكانت في بداية الأمر تكلفا ثم أصبح الانتظام عادة. وقس ما قلته على بقية الامور.

 نعلم من تاريخ الأندلس إلى أي درجة من الهمجية وصل إليها الأوروبين. بل قريبا من عصرنا كانت المملكة المتحدة تكتض بالمجرمين والهمج حتى اصبحت قضية مؤرقة بل اصبحت السجون لاتستوعب المجرمين, لكن البريطانيين بذكائهم ارسلوا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر عشرات الآلاف من المجرمين الى استراليا (للمزيد) وبذلك استطاعوا استعمار استراليا التي لم تكن تعرف البيض ولا اللغة الانجليزية من قبل. ومن الطرائف في هذا الصدد ما يقال في أن البريطاني اذا تشاكل مع استرالي  فانه  ينسبه بابن المجرمين. وما تعلمونه من قصص رعاة البقر في امريكا ليس من خيال السينما وانما محاكاة لواقع, فقد كانت من الاخبار اليومية  ان يدخل رعاة البقر الى مصرف او مطعم او اي محل آخر ويقوموا بتهديد العاميلن فيه بالسلاح ثم يأخذوا المال الموجود كاملا ويهربون او ربما دخلوا مصرفا وقتلوا جميع العاملين فيه. واستمر هذا الأمر حتى اصدرت قوانين حازمة على الورق تم تطبيقها واقعا, فتم تأديب المجرمين وملاحقتهم وسجنهم, وسمعت الدكتور أحمد الربعي منذ سنة تقريبا على قناة الكويت الفضائية يقول, تأدب المجرمين بالسياط في امريكا, فلما جاءت الأجيال بعدهم ورأوا آبائهم لا يخالفون النظام, تربوا على ذلك, فاصبحوا منتظمين دون الحاجة الى العصى.  الشاهد أننا ما كنا بدرجة من التخلف كما كان الغربيون. ومن كانوا بالأمس مجرمين همج, أصبحوا اليوم شعوباً متقدمة تقود العالم. وذلك بسبب النظام, فالمشكلة لم تكن في الشعوب بل كانت في النظم.

التوعية مهمة, لكن يسبقها تطبيق القوانين على أرض الواقع, وفي الغالب لن تجد مخالفا للقوانين لا يعلم ان الذي يرتكبه غير صحيح. اكثر ما يقع من المخالفات يعلم مرتكبيها انها خطأ قبل أن يرتكبوها,  وما دفعهم إلى ذلك هو غياب التطبيق للقوانين. الإمارات دليل واضح على أن المشكلة لا تتعلق بالشعب أو التوعية. فالشعب الاماراتي لا يختلف كثيرا عن الكويتي واليمني والاردني. قبل سنتين تقريبا, تم نشر بيان يقضي بمنع التدخين في اسكتلندا في المناطق العامة المغطاة. وتم تحديد تاريخ تطبيق النظام والعقوبة على المدخن وقبل ذلك على الجهة التي لم تمنع المدخن وكان عقاب الجهة التي تسمح بالتدخين في المناطق العامة اضعاف عقاب المدخن. جاء ذلك اليوم فالتزم الجميع. قبل ذلك  بسنين تم اصدار قرار منع التدخين في الدوائر الحكومية في السعودية, ولا زال على الورق. لذلك نقول للجهات التشريية في بلداننا العربية  لا حاجة لإصدار المزيد من القوانين إن كانت ستتضل على الورق.  انا هنا لا القي باللوم على القادة بقدر ما القي باللوم على الموسسات التنظيمية, ففي مثال التدخين مثلا, لو أن مدير صالة المطار مثلا تبنى القرار, لتم تطبيقه, بمعنى أني لن أستطيع التدخين في مطار القاهرة لو كنت اعلم بأن هناك من سيوقفونني ويعاقبني  إذا ما دخنت.  نعم هناك من يلتزم بالنظام وان لم يكن هناك عقاب, وهم الاغلبية, ولكن يجب الا تعطى الفرصة للمخالفة, والا يجبر من يريد التزام بالمخالفة لانه ان لم يخالف فلن يحصل على حقه باتباع النظام.

These icons link to social bookmarking sites where readers can share and discover new web pages.
  • Digg
  • del.icio.us
  • DZone
  • Wists
  • BlinkList
  • blogmarks
  • Fleck
  • Furl
  • Reddit
  • Simpy
  • Technorati
  • StumbleUpon


التعليقات: 11 على موضوع “تخلف الشعب دليل على تخلف النظام”

  1. 30 ديسمبر 2007 | 7:37 ص

    بالضبط، قس على ذلك غياب الطالب عن المدرسة في يوم امتحان نهائي وقوله: بيعيدولي إياه، وتأجيل تسليم الواجب إلى ما بعد موعده النهائي بكثير لأن المدرس سيقبله في الآخر. وهل جرأ الطالب على ذلك إلا أمنه العقاب

  2. سنمار
    02 يناير 2008 | 6:28 ص

    شكرا آمنة على هذه الاضافة, يبدو لي انك معلمة. وهل المعلم مجبر على قبول الواجب المتأخر؟

  3. 03 يناير 2008 | 12:49 ص

    ولهذا السبب اعتبرت مدينة الدار البيضاء قرية كبرى، ليس لأنها غير منظمة وملوثة ومتسخة وعشوائية البناء وليس بها مجال أخضر ويغلب على أهلها الربح السريع دون مراعاة للقيم وتتفشى فيها الأنانية بشكل متوحش… ليس لهذا ولكن لأن فهم المواطن للتحضر يختصره في الاستعمال المتطور للمنتجات الحديثة، آخر سيارة آخر طراز في الأحدية آخر تسريحة شعر آخر تلفون محمول ما دايرش.. هل هذه هي الحضارة؟ الحضارة هي أن يعرف الراجل كيف يعبر الطريق، أين يرمي الأزبال، كيف يربي أبناءه، كيف يطالب بحقوقه، ما هي واجباته، إلى غير ذلك مما تحمله لائحة التحضر
    تحية لك أيها العزيز وشكرا على هذا المقال القيم ومعذرة عن الإطالة

  4. 03 يناير 2008 | 6:19 ص

    هذه وجهة نظر أخرى يا علي افهمها جيدا لكني غير مقتنع بها. نعم وعي المواطن مهم لكنه ليس السبب الرئيس وراء المشكلة. في نظري لا تبدأ الحضارة اذا علم الراجل كيف يعبر الطريق, وانما ااذا اجبر على عبور الطريق من المكان السليم. قد يظهر أن في هذه المنهجية شدة لكنها الطريق الوحيد, وقد ذكرت في مقالي ان الامم المتحضرة اليوم لم تتحول من التخلف بسبب الوعي فحسب وانما بوضع القوانين التفصيليلة لكل شيء وتطبيقها. الراجل في طرابلس الشرق لا يعبر الطريق بشكل سليم لواحد من سببين, 1) إذا لم يعبر الطريق من المكان السليم فلن يحدث شيء فالأمر سيان بالنسبة للنظام. 2) ليس هناك مكان مخصص للراجل لذلك هو مجبر على المخالفة. وكلى الامرين يتحمل مسؤوليتها النظام. ليس للشعوب ذنب في نظري, فالنظام يستطيع أن يصنع شعباً مثاليا ونفس النظام يستطيع أن يصنع شعباً لا يفوقه أحد في الهممجية.

    دمت باحسن حال.

  5. 03 يناير 2008 | 10:13 ص

    لقد حملت تخلف النظام مسؤولية ذلك دون أن أسمي الأشياء بمسمياتها
    شكرا على ردك اللطيف

  6. 03 يناير 2008 | 11:56 ص

    الحمدلله على سلامتك، تدويناتك نحن بحاجتها جداً يا عزيزي، فأكثر منها .. : )

    مستوى التحضر لدينا حالياً مخيف وسيء للغاية، للأسف؛ المجتمعات تزداد تطوراً وتحضراً وانقياداً للنظام
    ونحن؛ نزداد تخلفاً ومخالفةً..
    المشكلة من التربية ومن النظام ومن المسؤول..
    ثلاثة أشياء لو تم التركيز عليها بشكل صحيح لكانت أمورنا أفضل بكثير من الآن..

  7. 03 يناير 2008 | 12:37 م

    اخي علي الوكيلي,
    نعم تداركت موقفك بعد تعليقك الأخير, أعلم أن الحرية غالية, ونحن مجبرون على اخذ الحيطة. كان الله في عونك.

  8. 03 يناير 2008 | 12:42 م

    سلمك الله يا محمد,
    اعجبني فصلك بين المسؤول والنظام. صلاح المسؤول تأثيره مقتصر على الجهة التي يعمل بها, بينما صلاح النظام كفيل باصلاح جميع المسؤولين.

    دمت بخير

  9. 05 يناير 2008 | 2:17 م

    المشكلة في أنظمتنا ياسيدي ، أن الحاكم يستغل منصبه لتقريب الأنصار و لو كانوا بلهاء ، ويبعد الخصوم و لو كانوا أكفاء ، و أول أعدائه في الحقيقة أولئك الذين يدوس حرمة القانون ليقربهم إليه .. فعن أي تتطور نتحدث إن كان هذا الحاصل .

    مواضيعك مثيرة وجميلة تستقطب القارئ .

  10. غريب
    07 يناير 2008 | 3:00 ص

    سيدي العزيز

    مقال رائع وهم يشاركك فيه الكثير

    ولكن ما رأيك أن نسيء النية قليلاً

    الا ترى معي أن القادة في وطننا العربي لا يريديون لنا الا أن نبقى متخلفين بل ومتمرسين في التخلف ولو أرادوا ان نتحضر لتحضرنا ما أود قوله هو أننا نعاني من “تخلف مقنن”

    والدليل أنه في بعض الأمور استطاعوا ان يعودونا على أمور لم تعد تمارسها البشرية منذ قرون ولكن حينما توفرت لديهم الارادة فعلوا

    تحياتي لك

  11. موسى
    30 مارس 2008 | 8:52 م

    تخلف الشعب نتيجة لوجود اشخاص فوق النظام

    حين اعلم ان التدخين ممنوع في المطار واجد احدهم يدخن لانه يعتقد انه فوق النظام لان احد اقاربه ذو سلطه ويعرف انه مهما فعل لن تطاله يد القانون…وقس على ذلك المخالفات الاخرى

    يا سيدي ان تحترم النظام في بيئة فيها قوم يضنون انهم شعب الله المختار وانهم هم من يضع القانون اللذي لا يمكن بحال ان يطبق عليهم شي من المحال

أكتب تعليقاً

الحرية للدكتور سعود الهاشمي

الحرية لعبد الرحمن بن صديق